صديق الحسيني القنوجي البخاري

434

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يصرف اختياره إليه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد يدخله الإيمان ، جعل بمعنى صير أو خلق أو سمى ، وهذا الثالث ذهب إليه الفارسي وغيره من معتزلة النحاة ، وضيقا بالتشديد وقرىء بالتخفيف مثل هين ولين ، وهما لغتان . حَرَجاً بالفتح جمع حرجة وهي شدة الضيق والحرجة الفيضة والجمع حريج وحرجات ، ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه ، وبالكسر معناه الضيق ، كرر المعنى تأكيدا وحسن ذلك اختلاف اللفظ ، وقال الجوهري : مكان حرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية ، والحرج الإثم وقال الزجاج الحرج أضيق الضيق فالمعنى يجعل صدره ضيقا حتى لا يدخله الإيمان . وقال الكلبي : ليس للخير فيه منفذ ، وقال ابن عباس : إذا سمع ذكر اللّه اشمأز قلبه ، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك ، وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة اللّه وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر . كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ قرىء بالتخفيف من الصعود شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء ، وقرىء يصاعد ، وأصله يتصاعد وقرىء يصعد بالتشديد وأصله يتصعد ومعناه يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء المظلة أو إلى مكان مرتفع وعر كالعقبة ، وقيل المعنى على جميع القراءات كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام وتكبرا ، وقيل ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى السماء ، وليس يقدر على ذلك . وقيل هو المشقة وصعوبة الأمر ، وقال ابن عباس : كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله اللّه في قلبه ، ومن أراد أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عنه ضيقا والإسلام واسع ، وذلك حيث يقول : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق . كَذلِكَ أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقا حرجا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ هو في اللغة النتن وقيل هو العذاب ، وقيل هو الشيطان يسلطه اللّه عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قاله ابن عباس : وقيل هو ما لا خير فيه ، قاله مجاهد ، والمعنى الأول هو المشهور في لغة العرب وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة ، ويصدق على جميع المعاني المذكورة ، وقال الزجاج : الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 126 إلى 128 ] وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 128 )